يوسف المرعشلي

8

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

خزائنه ، ثمّ هو مأذون في الإنفاق منه كل محتاج إليه ، فأيّ رتبة أجلّ من كون العبد واسطة بين ربّه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى اللّه زلفى ، وسياقتهم إلى جنّة المأوى ، جعلنا اللّه منهم ) . ثم بيّن أقسام العلم ، وأنّ منه ما هو فرض عين يجب على كل مسلم تعلّمه ، ولا يعذر بجهله ، كمعرفة اللّه تعالى ، وما شرع من أحكام الدين ، ومنه ما هو فرض كفاية على الأمّة ، إذا قام به البعض سقط طلبه عن الباقين ، كالطبّ ، والهندسة . . . وسائر العلوم الكونية ، وأنّ العلماء المقصودين بالآيات والأحاديث هم علماء الدين الإسلامي . لذلك كلّه فقد اقتصرت في كتابي هذا على تراجم علماء الدين الأخيار ، دون غيرهم ، لأنهم منارات الهداية ، ومصابيح الدجى ، خلافا لبعض مؤلّفي زماننا الذين توسّعوا في كتبهم ، فذكروا أعيان الناس من كل الفئات والطوائف والجماعات وكلّ من أطلق عليه لقب « علم » وهم يعنون بهذا المصطلح كلّ إنسان مشهور بارز في مجتمعه ، دون اعتبار لدينه ، أو مبادئه ، أو فضله أو خيره أو شرّه ، أو انتمائه ، أو أعماله ، ولو أردت جمع هؤلاء جميعا لجاء حجم هذا الكتاب ضخما أضعاف ما هو عليه ، ونحن في زمن التخصّص ، وهذا الكتاب خاصّ بعلماء الدين ، ومن أراد غير العلماء فليرجع لمراجعهم المختصّة . - القرن الرابع عشر الهجري إن المتتبّع لتاريخ الإسلام ليجد العظمة في كل شيء ، عظمة في العقائد والمبادئ والقيم ، وعظمة في التطبيق العملي لهذه المبادئ ، وعظمة في الرجال الأفذاذ الأبطال ، والعلماء الأعلام ، ولا غرو فهو دين اللّه أنزله على عباده ، وتكفّل بحفظه وحمايته إلى آخر الزمان . وقد تعرّض الإسلام منذ ظهوره ، وعبر تاريخه الطويل خلال أربعة عشر قرنا من الزمن لتحدّيات قويّة ، كانت كفيلة بالقضاء عليه ومحوه من الوجود ، ولكن خروج الإسلام من جميع هذه المعارك ظافرا منتصرا وبقاءه في أرجاء واسعة من الأرض إلى زماننا هذا شامخا قويا بمبادئه ومعتقداته وأفكاره وسلوكه وتشريعاته ، دون أي تحريف أو تزوير ، أو زيادة أو نقصان أو تبديل ، وبقاء أهله في وجه كل هذه التحدّيات دليل واضح على أنه دين اللّه سبحانه وتعالى ، وأنه تكفّل بحفظه إلى آخر الزمان .